السعيد شنوقة
190
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنفال : 22 ، 23 ] : إنّ شرّ من دبّ على الأرض أو إن شر البهائم صم بكم على الحق لا يعقلونه فلو علم الله عز وجل أن ألطافه تنفعهم للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ؛ فلا ينفع فيهم اللطف ؛ لذا منعهم سبحانه إلطافه أو لو لطف بهم وصدقوا لارتدّوا بعد ذلك ، وكذبوا ولم يستقيموا « 1 » . ولما كانوا يرون الهداية واجبة على الله عز وجل ؛ قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ النحل : 9 ] : « أي أن هداية الطريق الموصلة إلى الحق واجبة عليه كقوله : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [ الليل : 12 ] . فإن قلت : لم غير أسلوب الكلام في قوله : ( ومنها جائر ) قلت : ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز ، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقيل : « وعلى الله قصد السبيل » : وعليها جائرها أو « وعليها الجائر » . وقرأ عبد الله « ومنكم جائر » بمعنى ومنكم جائر عن القصد بسوء اختياره ، والله بريء منه » « 2 » ، ولم يفوت أحمد بن المنير لومه على الزمخشري الذي لم يأخذ بتتمة الآية وبيّن في تعقيبه اعتبارين لكل فعل يصدر عن العبد : الأول : من حيث وجوده هو مخلوق لله تعالى ومضاف إليه بهذا الاعتبار . الثاني : من حيث اقترانه باختيار العبد له وبتأتيه له وتيسره عليه يضاف إلى العبد . وأضاف أن تعدد الاعتبارين ثابت في كل فعل ؛ فيترتب على هذا أن إضافة الهداية إلى الله تعالى باعتبار خلقه لها تناسب إقامة الحجة على العباد . ويكون إضافة الضلال إلى العبد باعتبار اختياره له « 3 » . ولا غرو في أن هذا يبين الخلاف في « الكسب » « 4 » بين أهل السنة والمعتزلة ، فهو عند المعتزلة الفعل الواقع على وجه يستجلب به العبد نفعا أو يدفع به ضررا .
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 151 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 403 . ( 3 ) الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ، هامش الكشاف ، ج 2 ، ص 403 . ( 4 ) الكسب « الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر ، ولا يوصف فعل الله بأنه كسب لأنه منزه عن جلب نفع أو دفع ضر » . الجرجاني ، التعريفات ، ص 128 ، أول من نطق به ضرار بن عمرو ولم -